فايز الغصين شاهد عربي عن الابادة الارمينية
كتاب عنوانه ( المذابح في ارمينيا )
ٌٌRead The Article in English
فايز الغصين شاهد عربي عن الإبادة الأرمنية
كتاب بعنوان: (المذابح في أرمينيا)
فايز الغصين شاهد عربي عن الإبادة الأرمنية
فايز الغصين شاهد عربي
فايز الغصين ينحدر من قبيلة صلوت القوية في منطقة حوران السورية. وكان محاميًا عربيًا بارزًا، ولمدة ثلاث سنوات ونصف شغل منصب حاكم مقاطعة خاربيرد.
في عام 1915، وفي طريقه إلى أرضروم، اعتقلته السلطات التركية دون أي سبب، وقضى شهرًا واحدًا في سجن ديار بكر. ثم مكث في ديار بكر سبعة أشهر أخرى، وكان شاهد عيان على الفظائع التي ارتكبها الأتراك ضد الأرمن المنفيين من أرضروم وفان وبيتليس وخاربيرد وأماكن أخرى. وبعد مدة، قدّم الغصين شهاداته ضمن كتاب بعنوان (المذابح في أرمينيا)، حيث نُشر لأول مرة باللغة العربية عام 1916، ولاحقًا، ومع انتشار الكتاب، تُرجم إلى الإنجليزية والفرنسية.
بعد المحن التي شاهدت خلالها الكثير من الموت والذبح، وصلت إلى البصرة، وإن نشري لهذا الكتاب هو خدمة لنشر الحقيقة لشعب مضطهد من قبل الأتراك، ودفاعًا عن إيمان الإسلام ضد تهمة التعصب.
انتقلنا بعربات إلى (أورفا)، وفي الطريق رأيت حشودًا تسير على الأقدام، وعندما اقتربت منهم وجدت أنهم نساء من الأرمن، حفاة ومرهقات، يسِرن بصفوف تحت حراسة رجال الدرك، الذين كانوا يضربون بعقب البندقية كل من تتأخر عن السير ويرمونها أرضًا. وإذا تأخرت واحدة منهن بسبب الإرهاق أو المرض، كانوا يتخلّون عنها ويتركونها في البرية للوحوش، أو يُنهي الدرك حياتها برصاصة.
بعد مغادرة (أورفا)، شاهدنا مرة أخرى حشودًا من النساء المنهكات من التعب، يمتن من الجوع والعطش، ورأينا جثث الموتى مرماة على جانب الطريق. وبعد مسير ست ساعات من (أورفا)، وصلنا بالقرب من قرية تُدعى (كارا جيفرين)، فتوقفنا لتناول الإفطار قرب جدول. اقتربت من منبع الجدول، فوجدت امرأة ملقاة على وجهها، شبه عارية، وثيابها ملطخة بالدماء، وفي صدرها أربع رصاصات. لم أتحمل المشهد، فبكيت بمرارة، واستدرت لأمسح دموعي كي لا يراني رفاقي، فإذا بي أشاهد طفلًا لا يتجاوز عمره الثماني سنوات، ملقى على وجهه، وقد قُطع رأسه على الأغلب بفأس.
في المساء وصلنا إلى (كارا جيفرين)، فنمنا هناك حتى الصباح، ثم توجهنا إلى (سيفريك). وفي الطريق شاهدنا مشهدًا رهيبًا؛ كانت الجثث ملقاة بأعداد كبيرة على جانبي الطريق. وعندما وصلنا إلى (سيفريك)، واجهتنا أعداد كبيرة من الجثث، ومعظمها جثث أطفال. حيث شاهدنا أحد خدم الخان يحمل جثة رضيع، بشعر أصفر كالذهب، ويلقي بها خلف المنزل. فسألناه عن ذلك، فقال: كان هناك ثلاث نساء أرمن مريضات تخلفن عن رفاقهن، فأحداهن أنجبت هذا الرضيع، ولكن بسبب مرضها لم تتمكن من تغذيته، لذا مات، وأُلقي به في مكان تُرمى فيه الأشياء المهملة.
ماذا فعلت هؤلاء النساء باسم الله؟ هل شنّوا حربًا على الأتراك؟ أو قتلوا أحدًا؟ ما هي جريمة هذه المخلوقات التعساء؟ إن جريمتها الوحيدة أنها أرمنية، ماهرة في إدارة منزلها، وتربية أبنائها، والوفاء لزوجها وبيتها.
أسألكم أيها المسلمون، هل يُعتبر هذا جريمة؟ فكّروا للحظة، ما ذنب هؤلاء النساء الفقيرات؟ هل كان تفوقهن في الأخلاق والاحترام؟ وحتى إذا افترضنا أن أزواجهن استحقوا مثل هذه المعاملة، فهل من الصواب التعامل مع تلك النساء بطريقة ينفر منها حتى الوحش البري؟ قال الله تعالى في القرآن: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، أي لا يُعاقَب أحد بجريرة غيره.
ماذا فعلت هؤلاء النساء الضعيفات أو أطفالهن؟ هل يمكن لرجال الحكومة التركية أن يقدموا حتى دليلًا ضعيفًا لتبرير أفعالهم وإقناع أهل الإسلام، الذين يرون هذا العمل ظلمًا ويرفضونه؟ لا، لا يجدون أي كلمة يقولونها أمام شعب تقوم عاداته على العدل، وقوانينه على الحكمة والعقل.
... لاحظت أن الصلبان قد أُزيلت من الأبراج النبيلة للكنائس، والتي تُستخدم الآن كمخازن وأسواق لحفظ وبيع آثار الموتى ...
في موش، قُتل جزء من الأرمن في حضائر من القش، حيث أُحرقوا، والكثير منهم قُتل بإطلاق النار عليهم أو طعنهم بالسكاكين. وقد استأجرت الحكومة جزارين بأجور يومية مقدارها جنيه تركي واحد.
يقول الغصين إن طبيبًا يُدعى عزيز بك أخبره: عندما كان في (ميرزيفان) في ولاية سيفاس، سمع أن قافلة من الأرمن أُرسلت إلى الإعدام، فذهب إلى القائم مقام وقال له: “أتوسل إليك أن ترسلني لأرى هذه العملية بنفسي، لأن من واجبنا تقطيع أجسام البشر”. فأُعطي الموافقة، وذهب الطبيب، فوجد أربعة جزارين، لكل منهم منجل، وكان الدرك قد قسم الأرمن إلى أربع مجموعات، كل مجموعة مكونة من عشرة أشخاص، وأرسلوهم إلى الجزارين واحدًا تلو الآخر. قال الجزار لرجل أرمني أن يمد رقبته، ففعل ذلك، وذُبح كخروف. دهش الطبيب لثباته أمام الموت، دون خوف أو أن ينبس ببنت شفة.
اعتاد رجال الدرك على ربط النساء والأطفال ورميهم من المرتفعات في وادٍ عميق، حتى يصلوا إلى الأرض أشلاء ممزقة. ويُقال إن هذا المكان يقع بين ديار بكر وماردين، وحتى يومنا هذا توجد أكوام من عظام الموتى هناك.
أخبرني شافكيت بك، أحد المسؤولين المكلّفين بإبادة الأرمن، القصة التالية:
عندما بدأوا بإلقاء الأرمن في الوادي، اقترب مني رجل كردي وقبّل يدي، وتوسل إليّ أن أعطيه فتاة تبلغ من العمر حوالي عشر سنوات. فأوقفت إطلاق النار، وأرسلت الدرك لإحضار الفتاة. وعندما أُحضرت، أشرت لها وقلت: اجلسي هناك، لقد أعطيتك لذلك الرجل، وسوف تنجين من الموت.
بعد فترة، رأيت أنها ألقت بنفسها بين الأرمن القتلى، فأمرت رجال الدرك بوقف إطلاق النار، وقلت لها: لقد أشفقت عليك وجلبتك من بين الآخرين لإنقاذ حياتك، لماذا ترمين نفسك معهم؟ اذهبي مع هذا الرجل، سيصحبك كابنته.
فقالت: “أنا بنت أرمنية، ووالداي يُقتلان بين هؤلاء الناس، ولن يكون لي أحد غيرهم. لا أرغب في العيش بعد الآن من دونهم”. ثم بكت بكاءً مريرًا. حاولت إقناعها، لكنها لم تستمع، فتركتها تمضي في طريقها.
تركتني وهي مسرورة، واتجهت نحو والديها، اللذين كانا في لحظاتهما الأخيرة، ثم قُتلت هناك.
ثم أضاف: إذا كان هذا سلوك الأطفال، فماذا كان سلوك شيوخهم؟
إعداد وترجمة: هايك دانيال

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق